الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

الاستنساخ الحيوي وآفاقه المستقبلية

الدكتور سيد حديدي

الزميلات والزملاء الأفاضل.

في إحدى حانات إدنبرة في اسكتلندا ,كانت الساعة الحادية عشرة مساءً من يوم الجمعة 5 تموز 1996, والنادل يهز الناقوس الصغير في يده معلناً أن هذه هي الدورة النهائية لمن يريد أن يرشف قدحاً من البيرة أو كأساً من الويسكي قبل أن تغلق الحانة, ويتسابق الجميع نحو أولئك الفتيات الواقفات وراء برميل البيرة, يناولهم تلك الأكواب المملوءة بالجينس إلا خمسة رجال يجلسون وراء مائدة في زاوية الحانة, وكأن الأمر لا يعنيهم.. نعم إنهم من الزبائن الدائمين الذين لا ينطبق عليهم القانون, فستغلق الحانة بالنسبة للجميع إلا هؤلاء فيمكنهم البقاء كما يشاؤن.

كان هؤلاء الخمسة هم السيد ويلموت, والسيد شنيك, والسيد كامبل, والسيد ماكوير والسيد كايند-ومعهم مجموعة من ثلاث فتيات أصغر منهم سناً والمجموعة تعمل في مؤسسة روزالين القريبة من هذه الحانة, والمتخصصة في مجال أبحاث التقنيات الحيوية Bhotechnology )) كانت الليلة بالنسبة لهذه المجموعة تمثل حدثاً خاصاً, فالجميع في حالة من البهجة والانشراح, يرقصون ويتعانقون, ويرفعون كؤوس الويسكي في صحة المولودة الجديدة.

ويتكلم السيد ويلموت ويقول لهم أتعلمون أن أمس 4 يوليو كانت أمريكا كلها تحتفل بعيدها الوطني؟ واليوم نحتفل بمولودتنا الجديدة, وباكراً حينما ينشر الخبر سيكون 5 يوليو تاريخاً محفوراً في ذاكرة العالم كله, وربما يكون له أهمية العيد الوطني لأمريكا... يقاطعه السيد كامبل: بالمناسبة هل اخترتم أسم للمولودة الجديدة؟ وبدأ الجميع يعبون أقداح البيرة السوداء, وكل واحد اقترح اسم من أسماء مشاهير التاريخ فيكتوريا, انطوانيت, كليوباترا...

وفجأة تظهر على شاشة التلفاز المغنية الأمريكية دوللي بارتونيDoiiy Barton ويردد الرجال الخمسة, ومعهم صديقاتهم, أغاني دوللي بارتون, ويبدو أن  الجميع قد شربوا أكثر من اللازم, وخاصة إيان ويلموت, الذي احتقن وحهه,وتخللت قطرات البيرة شعر ذقنه وهو يصيح: وجدتها I found it سنسميها دوللي, نعم سنسميها دوللي.. ستكون المولودة الجديدة شهيرة مثل  دوللي بارتون.. ويرفع الكأس والجميع يرفعون كؤوسهم في صحة دوللي ويتماثل الجميع في طريقهم إلى سياراتهم التي تحملهم إلى بيوتهم
إن أقصى
ما كان ا يتخيله إبان ويلموت هو أن تصبح مولودته الجديدة شهيرة مثل دوللي بارتون, وأخذ هو ومجموعته يكتبون نتائج بحثهم ولم ينشر هذا البحث إلا في يوم الخميس 27 فبراير 1997 في مجلة ناتشر Nature وهي إحدى أهم المحلات العلمية في العالم, وكانت صفحة الغلاف تحمل صورة النعجة دوللي, التي أصبح عمرها ثمانية شهور..
في يوم الجمعة 28 شباط 1997 ,لوحظت حركة غير عادية في شركات الطيران لحجز مقاعد إلى اسكتلندا, آلاف الصحفيين من جميع أنحاء العالم وجميع المراسلين لدى المجلات العلمية, ومندوبي التلفاز, وجميع محطات الإذاعة.. وتحولت جميع قنوات الأقمار الصناعية, والقنوات الفضائية كلها باتجاه إدنبرة, وبالذات إلى مؤسسة روزالين, وبين عشية وضحاها كانت فتحات الكاميرات كلها موجهة على النعجة دوللي, تلتقط لها الصور من جميع الزوايا, وكانت عدسات التلفاز كلها مركزة على وجه النعجة دوللي, والأمهات الثلاث للنعجة دوللي, واحتلت أخبار البوسنة والهرسك, ومشاكل السلم في الشرق الأوسط وحملات الانتخابات الإنكليزية وفضائح الرئيس كلينتون والبيت الأبيض... المرتبة الثانية في القنوات الفضائية بعد أخبار النعجة دوللي!

يوم الجمعة 28 آذار مارس سنة 1997 .أي  بعد شهر واحد من نشر البحث في مجلة ناتشر أصبحت النعجة دوللي أشهر بألف مرة من المغنية الأمريكية دوللي بارتون, وأخبارها تحملها وكالات الأنباء ساعة بساعة, ماذا تأكل؟ وكيف تنام؟ وبأي سرعة يزداد وزنها؟ والفريق  الذي أحدث المعجزة, بقيادة إبان ويلموت لا يعرف أحد أي شيء عنه .. كانت أحوال النعجة دوللي وصحتها, وتصرفاتها النفسية, أهم بألف مرة من كل تاريخ إبان ويلموت وزملائه, واكتفى هذا الفريق العلمي من مؤسسة روزالين أن يجلس في زاوية الحانة يشرب الجين, وحوله هذه الأكوام من الصحف والمجلات والكتب, وأفراده يقلبون صفحاتها, ويتمتعون بصور النعجة دوللي, وتدفعهم نشوة الكحول إلى تتبع هذه الثورة الجدلية الجديدة:

ما هو ذلك الذي فجر هذه الثورة الجدلية, وكأنها قنبلة هيروشيما أو نكازاكي؟

هل كل ذلك بسبب ولادة نعجة لها ثلاث أمهات, وليس لها أب؟

هل لأن الحدث الذي نسميه الاستنساخ هو حدث استثنائي في مسار العلم والدين, ولا بد أن يصاحبه ويتبعه كثير من الجدل العلمي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ... الخ؟ هل هذه الثورة الجدلية ما هي إلا محاولة من المتنفذين في أجهزة الإعلام المقرؤة والمسموعة والمرئية لإثارة ضجيج وزلزلة إعلامية, يستفيدون هم أنفسهم منها ويستغلها من هم وراء هذه الأجهزة , كل لمصلحة خاصة تكيف سلوكه؟

هل لأن هذه الظاهرة العلمية ورجالاتها, قد تعدوا, أو خيل للبعض أنهم في طريقهم إلى التعدي على المفاهيم والقيم الدينية, وعلى حماة هذه المفاهيم, فثارت هذه الزوبعة الإعلامية والفكرية والجدلية؟؟؟

مئات الأسئلة والاستفسارات, وألف هل وألف لماذا!!!كل ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه القضية التي دعيت الاستنساخ ,هي حدث مثير جداً, يبعث إلى الدهشة حيناً, ويدعو إلى التوجس أحياناً أخرى, مما دعا عدة برلمانات في جميع أنحاء العالم إلى أ، تعقد جلسات وتتخذ قرارات, ويطلب رؤساء دول كبرى كأمريكا والسويد وانجلترا وفرنسا, من مستشاريهم كتابة تقارير مفصلة عن الموضوع, وتعقد مؤتمرات لهيئات دينية, سواء أكانت مسيحية أو أسلامية, لتدلي بدلوها حول شرعية هذه العملية, وملأ رجال الفلسفة والفكر والاجتماع الدنيا بمقالاتهم وكتبهم دفاعاً أو اتهاما... وتفتت قرائح عباقرة الخيال العلمي, فخرجت كتب, وأنتجت أفلام ومسلسلات تلفازية كلها عن الاستنساخ!

 واعتقدت أنني سأكون قارئاً وسامعاً ومشاهداَ فقط, لكل هذا الكم الهائل مما قيل وسيقال في هذا الموضوع , ولكنني أفاجأ بأن يطلب مني أن أكون محضراً ..وفي أكثر من ككان , عن موضوع الاستنساخ, ورغم أنني قبلت هذه الدعوات, إلا أنني أحب أن أعترف من البداية أن هناك من هم أكثر مني علماً ومقدرة على طرح ومناقشة هذا الموضوع وخاصة من النواحي التشريعية والأخلاقية والفلسفية... الخ

من ناحية أخرى فإن التقنيات العلمية والتسلسل الجيني والنسيجي والفزيولوجي قد يكون من التعقيد بحيث يصعب على بعض المختصين تتبعه, مما استلزم مني أن أبسطه إلى درجة شديدة قد تطلبت مني أحياناً أن أهمل بعض الخطوات أو التفاعلات ,والتي اعتقدت أنها لن تؤثر على صلب الموضوع, وكي أمل أن أوفق أولاً في شرح عملية الاستنساخ علمياً, وتاريخياً وتقنياً ,ومن ثم أحاول أن أحمل لطكم –بشيء من الاختصار- بعض الجدل الديني والفكري والفلسفي الذي طرح هنا وهناك ولو اتسع الوقت فإنني سأدلي بوجهة نظري عن الموضوع برمته.

   تعريف الاستنساخ:

الاستساخ بشكل مبسط جداً هو تكوين كائن حي بحيث يكون نسخة مطابقة لأصله من حيث الجملة الوراثية, وبالتالي فهو تكوين كائن حي بطريق لا جنسي, أو بصورة أكثر تبسيطاً لا يتولد هذا الكائن الحي نتيجة إخصاب بويضة الأنثى بنطاف الذكر...

كيف يتم التوالد الجنسي:

في جميع الثدييات ومنها الإنسان , يتم التوالد عن طريق التزاوج بين الذكر والأنثى, حيث تخرج البويضة من مبيض المرأة محتوية على نصف عدد الكروموزمات (وهي المجموعة التي تحمل صفات المرأة الوراثية), ويعطى الرجل الحيوان المنوي وبه نصف عدد الكروموزمات الموجودة في خلاياه....لاتحاد البويضة (23 كروموزوماً)مع النطفة (23 كروموزوماً) يتكون ما نطلق عليه بالزيجوت  المخصب, وبه العدد الكامل للكرموزومات (46) التي تكون خلايا جسم الإنسان, هذه البويضة المخصبة والتي سيتكوم منها الجنين تحمل صفات وراثية هي خليط من صفات الأب والأم , ولكنها ليست بأية حال صورة مطابقة تماماً للأم أو الأب , أي أن الجملة الوراثية ( الممثلة بالكروموزومات) في هذا الجين الجديد مختلفة عن الجملة الوراثية في الأب وفي الأم, ومن هنا جاء هذا التنويع العظيم في الأفراد, فليس هناك فرد مشابه تماماً لفرد آخر من حيث تكوينه الوراثي, وهذا التنوع أو الاختلاف حدث نتيجة هذا التوالد الجنسي.....

كيف يتم التكاثر اللا جنسي:

يحدث تكاثر لا جنسي –أي دون تزاوج بين ذكر وأنثى_ أوبمعنى آخر دون اتحاد بين بويضة من الأنثى , ونطفة من الذكر , وذلك في الكائنات الدنيا في سلم التطور مثل الفيروسات والجراثيم والأوالي وحتى بعض الكائنات متعددة الخلايا مثل الهيدرا ودودة الأرض وبعض الفصائل النباتية. وتتم عملية التكاثر بشكل مبسط جداً عن طريق عملية يطلق عليها الانشطار, أي أن الكائن الحي ينشطر إلى جزئن متماثلين, ويصبح الفرد فردين متماثلين تماماً. يحدث هذا الانشطار بعد تكوين صورة طبق الأصل من المادة الوراثية في داخل الخلية, تحاط كل نسخة منها بكمية من السيتوبلازم ثم يتم الانقسام.

هل هناك كائنات حية تتكاثر جنسياً ولا جنسياً في الوقت نفسه:

نعم.. وسأعطي مثلاً وحداً أمثلة معروفة, وأخرى غير معروفة, حيوانية ونباتية, لها الخاصية نفسها. إن المثل الذي درس دراسة مفصلة هو حيوان آكل النمل في أمريكا الجنوبية, ويطلق عليه اسم المدرع Armadillo..تخرج أنثى هذا الحيوان بيضتها من المبيض, وتلقح ككل الثدييات بالنطفة من الذكر وهذا ما يمثل التكاثر الجنسي.. وتتقسم هذه البويضة المخصبة إلى 4- 12 خلية انقساماً فتيلاً (أي يحتوي على عدد الكروزوما تنفسه)كل خلية تصنع حيواناً كاملاً, كلها صور طبق الأصل من بعضها, وهذا ما يسمى التنسيل أو التكاثر اللا جنسي  ...

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ذلك قد يحدث مصادفة في تكوين توائم البيضة الواحدة في الإنسان الذي يمكن اعتباره نوعاً من التنسيل!!.. ولكن قبل أن نتكلم عن تقنيات التناسل والتناسخ فلنلق الضوء على خطوات الحمل الطبيعي في الثديات, ولنأخذ الإنسان مثلاً لذلك.

المبيض في المرأة هو المسؤول عن تكوين البويضات , ويوجد عدد محدود من هذه البويضات في مبيض المرأة منذ ولادتها, ويتراوح بين 200 ألف إلى 1300 ألف  في كل مبيض, من كل هذا العدد يتم نضج وإفراز عدد لا يزيد عن 400_500 بويضة في فترة إخصاب المرأة. تتحرر بويضة بالغة واحدة كل شهر , محتوية نصف عدد الكرموزومات الموجودة عند هذه الأنثى .

من ناحية أخرى فالخصية عند الرجل هي المسؤولة عن تكوين الحيوانات المنوية, وعلى عكس المرأة فالرجل عند بلوغه يصنع عدة مليارات من هذا النطاف كل أسبوع, ويطرح في كل قذفة ما يقارب 200-500 مليون نطفة. ولكن الذي ينجح فعلاً في المرور خلال عنق الرحم من هذا العدد الكبير والوصول إلى داخل الرحم لا يتعدى 100000 نطفة.

 عملية الإخصاب تتم إذا نجحت نطفة واحدة في اختراق جدار البويضة لتكوين ما يطلق عليه بالزيجوت أو البيضة الملقحة. يتم هذا الإخصاب في الجزء الوحشي من قناة فالوب, وبتكوين الزيجوت أو البيضة المخصبة, تتكون خلية بها 46 كروموزوماً نصفها من الذكر والنصف الآخر من الأنثى, وهذه الكروموزومات تحمل حوالي 100 ألف شفرة وراثية أو جينية, هي الجملة الوراثية التي ستحدد كل مكونات الجنين وشكله وصفاته ووظائفه.

 تنقسم الخلية منذ تخصيبها انقساماً فتيلياً ( أي تحتوي الكروموزومات نفسه )  إلى قسمين اثنين ثم أربعة, وحينما تصل الرحم تكون على شكل كتلة مكونة من 8- 16 خلية, وتأخذ في هذه الرحلة حوالي 4-5 أيام.. هذه الكتلة الخلوية يطلق عليها التيتة. ما زالت هذه الخلايا في مرحلة من عدم التمييزUndifferentiation  . ولكن منذ التصاق التويتة في جدار الرحم , يبدأ برنامج الوراثي في كل من هذه الخلايا في إصدار أوامره, بحيث تبدأ الخلايا في التميز, ويبدأ كل نوع منها في تكوين النسيج الذي سيكون  الأعضاء المختلفة.

يبدو أن هذا التمايز يحدث عن طريق برمجة موجودة في السيتوبلازم البويضة الأصلية, تعمل على البدء في تفعيل الجينات المختلفة. هذه البداية كافية لأن تطلق شرارة التمييز للمورثات أو الجينات التي ستعمل منذ الآن تشكيل كل صفات الأنسجة والأعضاء المختلقة , وباختصار الجنين بكامله.

اعتقد علماء  الأحياء منذ زمن بعيد أن خلايا التويتة غير المميزة حينما تبدأ تتمايز فإن هذه العملية غير عكوسة  وبالتالي لا يمكن إعادتها إلى خلايا جنينية غير مميزة. وقد حاولوا على مدى العقود الماضية إجراء تجارب كثيرة جداً  في أماكن متعددة, لكي يتمكنوا من تحويل الخلايا التي تميزت إلى خلايا غير مميزة, وباءت محاولاتهم كلها بالفشل.

الاستنساخ الجنيني:

سبق وذكرنا أن البويضة حينما تلقح بالحيوان المنوي تكون الزيجوت  (أو البويضة المخصبة) وإن هذا الزيجوت يحتوي على 46 كروموزوماً نصفها من الأنثى والنصف الآخر من الذكر, وتبدأ عملية الانقسام الفتيلي, أي تكوين خلايا مماثلة طبق الأصل.ينتج عن الانقسام الأول خليتان, وعن الانقسام الثاني أربع خلايا, وعن الانقسام الثالث ثماني خلايا.. وهكذا يحدث تكاثر أسي..

 ما يهم معرفته أن المورثات ( الجينات) التي يبلغ عددها حوالي 100 ألف مورثة في هذه الخلايا الأولية . تكون في حالة تأهب لتلقي الأوامر, ولكنها لم تتخصص أو تتمايز بعد حتى مرحلة الانقسام الثالث أو رب ما الرابع, تبدأ منذ مرحلة الانقسام الرابع في تلقي الأوامر بآليات غير معروفة تماماً . تفعل هذه الأوامر بعض الجينات أو المورثات, وأحياناً تثبط أو تخمد بعضها الآخر, وهذه المرحلة منذ الآن وحتى إتمام تكوين الجنين وولادته تسمى مرحلة التمايز. بمعنى مختصر, إن الخلايا في مرحلة الانقسامات الأولى من الزيجوت تكون خلايا غير مميزة أو خلايا بكرية, سنسميها –مجازاً للتسهيل- الخلايا الجينية. ولكن بعد ذلك حين تصدر الأوامر إليها وتبدأ هذه الخلايا بالتميز بحيث توجه –بطريقة ما- كل خلية إلى التحول إلى نسيج معين أو تكوين عضو بذاته, عندها سنطلق على هذه الخلايا بالخلايا الجسدية Somatic cell .

الاستنساخ الجيني يتم بأخذ مجموعة من الخلايا الجينية, حيث تفصل عن بعضها ( حوالي 8 خلايا ) ثم تؤخذ نواة كل خلية ( وهي جميعاً نسخة واحدة متماثلة) , وتزرع كل نواة في سيتوبلازم بويضة نزعت نواتها .. أصبح الآن لدينا ثماني بويضات, لها ثماني نوى متماثلة ( وهذا هو الاستنساخ), وحيث أن المورثات الموجودة في كروموزمات  هذه النوى لم تصدر إليها التعليمات بعد , فتعتبر حينئذ كأنها بويضة ملقحة من جديد, تبدأ بالانقسام وكل بويضة من الثمانية تكون جيناً متشابهاً وراثياً كبقية البويضات. وقد تم تنفيذ هذه التقنية في كثير من الحيوانات, كالأغنام والأبقار, ونجحت كلها في الحصول على مجموعات متشابهة من هذه الحيوانات.

الاستنساخ من خلية جسدية:

ذكرنا أن الفرق بين الخلية الجسدية والخلية الجينية هو أن الخلية الجسدية بدأت تتميز , بمعنى أن الأوامر قد أتت إلي بعض جيناتها لكي تحول إلى خلية في نسيج خاص, فخلية تؤمر بأن تتحول إلى خلية عصبية , وأخرى إلى خلية كبدية, وثالثة كلوية.. الخ. وذكرنا أن الخلية حينما تتميز لا تعود مرة أخرى إلى الحالة الجينية, وأن العلماء حاولوا في العقود السابقة بوسائل شتى أن يحولوا الخلية الجسدية ( المميزة) إلى خلية جينية ( غير مميزة) ولكنهم لم يفلحوا في ذلك .

 ولكن أخيراً نجح أعضاء فريق معهد روزالين, بقيادة أبان ويلموت, أن يحولوا خلية جسدية خصلوا عليها من ثدي نعجة , وزرعوا هذه الخلية في أوساط خاصة, فتكاثرت إلى مئات الخلايا, كلها خلايا جسدية من الثدي, ولكنهم آخذو هذه الخلايا , ووضعوها في أوساط خاصة, وتحت ظروف معينة_ لا يهم أن نشرح هنا بالتفصيل- ولكن المهم أنهم بهذه المعاملة حولوا هذه الخلايا إلى حالة هدأة مشابهة للحالة الجينية, أي أن الكروموزومات بما عليها من مورثات وكأنما لم تستقبل أية أوامر , وأن هذه الخلايا, أو بمعنى أصح أنويتها, إذ زرعت في سيتوبلازم بويضات منزوعة النواة, وهي الوسط المسؤول عن إعطاء الأوامر للنوى الجديدة, ستنقسم هذه الخلايا مكونة جنيناً مشابهاً طبق الأصل للنعجة التي أخذت الخلايا من ثديها.

إن الشرح السابق تبسيط شديد جداً لتقنيات استغرقت سنوات, حصل فيها فشل واحباط في آلاف التجارب, إلى أن وصل العلماء في النهاية إلى نجاح تجربة واحدة من ألف تجربة, وصرفت ملايين الدولارات في تمويل هذه التجارب, ولكن في النهاية تحقق هدف هذه المجموعة, وهو المقدرة على تحويل خلية جسدية إلى خلية جينية, هذا هو النصر العلمي, والذي يفتح للعلماء أبواباً كثيرة جداً, وللأسف الشديد لم يتحدث الإعلام عن الشيء المثير من هذه المجالات , وهو استنساخ البشر.

 تماماً كما حدث بالنسبة للذرة, إذ ظللنا نتعلم في المدارس والجامعات أن الذرة لاتنقسم, وصار ذلك قضية مسلماً بها , حقية لا تقبل النقض, إلى أن تمكن الفيزيائيون والرياضيون من نقض هذه النظرية, وأثبتوا أن الطاقة تخرج من هذا الانشطار قوية جداً , أكثر من الخيال, وسيفتح ذلك أبواباً ومحاولات لا أول لها ولا آخر, فماذا كانت النتيجة؟

 كانت أن ركز أصحاب المصالح على استغلال مجال واحد فقط هو صنع القنبة الذرية, وثارت ضجة أخلاقية ودينية واجتماعية حول مجال واحد لاستعمال انشطار الذرة, أي القنبلة الذرية, وحول مأساتها في هيروشيما وناكازاكي, مما غطى على المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى والمتعددة لاستغلال هذه الطاقة العظيمة.

هذا ما حدث تماماً بالنسبة لقصتنا مع النعجة دوللي. إذ تمكن هذا الفريق من نقض نظرية عدم تحويل الخلية الجسدية إلى خلية جينية, وبذلك تفتح بهذا النجاح مجالات , يعلم الله وحده مدى الإمكانيات التي ستستغل بها هذه الحقيقة الجديدة, ولكن ركز الإعلام وأصحاب المصالح على حملة واحدة , وهي اتنساخ البشر, القنبلة الذرية الجديدة, والمأساة التي تفوق مأساة هيروشيما  وناكازاكي.

بعد أن شرحت آلية عمل الاستنساخ, سواء من خلية جينية_والتي يمكن أن نسميها مجازاً بالاستنساخ الجيني_ أو من خلية جسدية, والتي يمكن تسميتها مجازاً استنساخ جسدي, سأحاول أن ألخص الجدل الذي بدأ_ ومن المرجح ألا ينتهي_ حول هذه التقنية, وحيث أن الموضوع متسع جداً , والجدل في أي ناحية منه يحتاج إلى عشرات المحاضرات, لا محاضرة واحدة, فسأكتفي بأن أذكر في عجالة بعض التساؤلات التي طرحت حول الاستنساخ , محاولاً طرح وجهات النظر المختلفة كإجابة عنها.

هل الاستنساخ تقنية جديدة ابتدعها العلماء؟

لا, فالاستنساخ هو أول صور التكاثر ظهوراً على الأرض, وهو موجود في صور كثيرة جداً حتى يومنا هذا , كما ذكر سابقاً, في الجراثيم والأولي والنباتات, ولكن الله تعالى, لحكمه يعلمها, طور عملية التكاثر وجعلها عملية جنسية, عرفنا بعض أسبابها, ولكن ما أوتينا من العلم إلا قليلاً... قليلاً جداً جداً...

هل استطاع العلماء بعملية الاستنساخ أن يخلقوا خلقاً جديداً حسب المواصفات التي يحددونها هم؟

هذا أكبر خطأ يمكن التفكير به , فالعلماء قبل غيرهم يعلمون أن ما فعلوه, وما سيفعلونه ليس خلقاً, إنها محاولة منهم, وبتوفيق من الله, معرفة أسرار الخلق. إنهم لم يخلقوا البويضة التي انتزعوا منها النواة, ولم يخلقوا البرنامج الضخم العبقري الموجود في سيتوبلازم  هذه البويضة, ولم يخلقوا النواة التي أخذوها من خلية ضرع النعجة, ولم يخلقوا الجملة الوراثية الموجودة في هذه النواة, ولم يخلقوا الرحم الذي زرعت فيه الخلية والهرمونات والآليات المختلفة التي ساعدت على نمو البويضة وتكوين الجنين, إن العلماء الحقيقين هم أكثر الناس إيماناً بضعفهم أمام قدرات الله":إنما يخشى الله من عباده العلماء" إن الدجاجة ترقد على بيضها مدة من الزمن حتى تخرج الفراريج من البيض , فهل إذا أخذت بيضاً ووضعته في حاضنة لتخرج منه فراريجاً, أأكون أنا الذي خلقت الكتاكيت؟ إن كل ما حدث أن الله هداني إلى سر الحاضنة, ولكنني لم أخلق أي شيء.

لماذا فكر العلماء في المحل الأول في عملية الاستنساخ؟

وجد الاستنساخ وعرفه العلماء منذ مدة طويلة , ولكنهم فكروا في تقليده في أجناس لا يحدث فيها الاستنساخ, وحينما تطورت لديهم التقنيات, وتوفرت الإمكانيات المخبرية, أتيحت لهم الفرصة في تقليد ما يحدث فعلاً في الجراثيم أو الأولي , ولكن بالنسبة لكائنات حية أكثر تطوراً, كانت الأسباب التي دعتهم إلى ذلك كثيرة جداً, سأذكر أمثلة قليلة جداً, منها:

1-الاستنساخ في المملكة الحيوانية يمكن( إذا تطور مستقبلاً( أن يوفر نسائل مميزة جداً من الناحية الإنتاج, سواء في ذلك الحليب أو اللحوم أو عدد الولادات أو مقاومة الأمراض.

2- الاستنساخ في المملكة الحيوانية يمكن أن يحدث ثورة حقيقية قي أصناف النباتات من حيث الجودة وكمية المحصول, والمقاومة....الخ.

3-الاستنساخ في المجال الطبي له استعمالات كثيرة جداً, فربما يفيد في التعرف على آلية حدوث السرطان, وبالتالي معالجتها.

4- الاستنساخ في الخطوط الخلوية أتاح لنا تصنيع مركبات طبية ذات أهمية كبيرة في العلاج والتشخيص...الخ.

إذا كانت هذه الفوائد كلها من صفات الاستنساخ فلماذا نجد معارضة له؟ ولماذا يطلب إيقاف أبحاثه؟

إن اكتشاف أي سر غامض من أسرار الله في الطبيعة هو سلاح ذو حدين, يمكن أن يكون فيه كل الخير للبشرية, ويمكن أن يكون وبالاً وكارثة على البشرية. استطاع أينيشتاين وبعض علماء  الفيزياء و الرياضيات أن يكتشفوا بعضاً من الأسرار التي وضعها الله في الذرة ونشروا نتائج أبحاثهم التي أخذها بعض البشر وصنعوا منها القنابل الذرية. والبعض الآخر من البشر سخرها لصالح رقي ورفاهية الإنسان, والآن استطاع العلماء أن يكتشفوا بعض الأسرار التي ضمنها الله في داخل الخلية , وفي عمق النواة , واستطاعوا نشر نتائج هذه الأسرار, فمنهم من سيستغلها في خير البشرية , وفي بعض المجالات التي وضعت عناوينها سابقاً, وفي الوقت نفسه سيأخذ نتائج هذه الأبحاث بعض الأشرار وسيستعملها لأذية البشرية, وتحطيم المبادئ, وزعزعة الدين والقيم والأخلاق, وهذا هو وجه العلم الذي يجب أن يعارض, وهذه هي الأبحاث التي يجب أن توقف.

تجارب الاستنساخ في الحيوان قد نجحت, وأخرها استنساخ النعجة دوللي فهل يمكن استنساخ البشر؟

رغم النجاح استنساخ دوللي, فلم تكن العملية سهلة, فقد حصلوا على ألف بويضة من نعاج مختلفة, وحاولوا دمج نواة خلية الضرع في هذه البويضات فلم ينجح الدمج إلا في 277 بويضة, ومن هذا العدد لم يتكون إلا 27 جنيناً, ماتت جميعاً قبل تمام الحمل, ما عدا بويضة واحدة هي دوللي.

يقول العلماء: إن إمكانية استنساخ البشر ممكنة, ولكنها حتماً ستكون أكثر صعوبة من دوللي, فمن أجل استنساخ فرد واحد ربما سنحتاج إلى ألف امرأة للحصول على البويضات منها, لعملية الدمج, وسنحتاج إلى 500 امرأة تؤجر رحمها من أجل الحمل, وفي النهاية- لو نجحت التجارب- فربما نحصل على بشر مستنسخ واحد, ناهيك عن التكلفة المادية لهذه العملية؟؟

لماذا تخاف المجتمعات , والدول العظمى بالذات, وهي التي تملك  التقنية من ظاهرة الاستنساخ البشري؟

ذكرت الكتب والمقالات والندوات آلاف الأسباب ومنها:

1-     الخوف من تقوم إحدى الدول باستنساخ آلاف الناس المميزين جسدياً من أجل الحروب والعمليات الإجرامية.

2-      الخوف من استنساخ مجرمي حرب وديكتاتورين, فتقع الدنيا تحت تأثير إرهابهم, وخاصة أن من يقدر على تكلفة الاستنساخ هم هؤلاء.

3-     الخوف من العقائد الدينية والاجتماعية والخلقية ومن الهزة التي سيحدثها الاستنساخ, وخاصة بعد سرد قصص الخيال العلمي.

4-     الخوف من استنساخ بشر يحملون صفات وراثية خطيرة تنتشر في المجتمعات وتزيد- على ما هو موجود- مشاكل لا حل لها.

5-     الخوف من الدخول في انحرافات علمية مثل زرع خلايا أجناس مختلفة في البشر, أو زرع خلايا البشر في أجناس مختلفة من الحيوانات .

6-     خوف الدول العظمى من أن تنتقل هذه التقنيات إلى الدول الفقيرة, وهي تقنيات غير مكلفة نسبياً- كما هي الحال في أبحاث الذرة مثلاً- وليس هناك رقابة دولية حقيقية على الأبحاث, وبالتالي لا يمكن السيطرة على ما يمكن أن يحدث في هذا المجال, ويكون الوقت قد فات

مئات الأسباب تجعلنا نخاف من هذه التقنية الجديدة, ولكن معظم هذه الأسباب- في اعتقادي- صعبة التحقيق إن لم تكن مستحيلة, كما أنها أيضاً في رأيي ليست هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الضجة الإعلامية العالمية.

إن كل اكتشاف غريب حدث في السابق ثارت عليه الدنيا كلها, حدث ذلك منذ أن قيل الأرض كروية, وقريباً حينما نشرت أبحاث طفل الأنابيب, واليوم لا أحد ينكر أن الأرض كروية. ولا أحد ينكر موضوع الإخصاب خارج الرحم.

ما هي الحجج التي يبرر بها العلماء الذين يدافعون عن هذه التقنية استنساخ البشر؟

هناك حجج كثيرة ساقها الذين يدافعون عن الاستنساخ البشري نضعها تحت العناوين التالية:

1-     محاولة استنساخ العباقرة والمبدعين والأشخاص الذين نعتبرهم ثروات قومية.

2-     عملية استنساخ أعضاء بشرية مستقبلاً, يمكن أن تكون قطع غيار للفرد الذي تم الاستنساخ منه.

3-     قد تحل مشكلة العقم في بعض الحالات.

4-     قد تستعمل في القضاء على بعض الأمراض الوراثية وقد تستغل في إطالة العمر

إن علما التقنيات الحيوية Biotechnology بما فيهم إيان ويلموت ومجموعتهم يعلمون أكثر من غيرهم أن كل هذه الحجج والادعاءات هي عناوين تساق في كل وسائل الإعلام, ولكنها لا تطرح في مؤتمراتهم العلمية أمام زملائهم الذين يعرفون معنى كل كلمة تقال, ويعرفون الرد عليها.

والآن أيها السيدات والسادة:

لقد تعودت دائماً أن أنهي محاضرتي بطرفة, وفي محاضرة الهندسة الوراثية السابقة كنت قد ذكرت لكم أن امرأة أبي حمزة الضبي عرفت قوانين الوراثة قبل مندل بعدة قرون. وذلك حينما هجرها زوجها لعدم إنجابها الذكور , فأنشدت :

ما لأبــــــي حمــزة لا يأتينا                                  يظل في لبيت الذي يلينا
غضبان ألا نلــــــد البنيــــنا                                 تالله مـــا ذاك في أيديــنا 
وإنما نأخـــــذ ما أعطيـــــنا                                 ونحن كالأرض لزارعينا

                                           ننبت مــا قد زرعوه فيــنا

واليوم أذكر لكم طرفة أخرى وذلك أن الشيخ عبد الرحمن الجامي الذي ولد سنة 1414 ميلادية, أي أكثر من خمسة قرون في ( خرجرد جام) وهو آخر شعراء التصوف في بلاد الفرس, كتب ضمن ما كتب , قصة رمزية بعنوان ( سلامان وأيساك) تتحدث عن ملك تمنى ولداً يخلفه ويرثه, وهو لا يقرب امرأة بسبب قناعته بآراء الحكيم الذي يرى "أن الولد لا يكون إلا بالشهوة , ومن الشهوة يظلم العقل والفكر" ولكي يحقق الحكيم رغبة مليكه يأخذ نطفة من صلب الملك بغير شهوة , ويضعها في مكان, لينشأ منها بعد تسعة أشهر طفل سوي هو سلامان.

وبالتالي فإن الشيخ العالم الشاعر الصوفي عبد الرحمن الجامي قد فكر وتنبأ بعملية الاستنساخ قبل إبان ويلموت بــ 550 سنة...

أيها السيدات والسادة:

 إن الطرائف كثيرة حول الاستنساخ , والأسئلة لا أول لها ولا آخر حول هذا الموضوع الذي فجره الإعلام بقوة القنابل الهيدروجينية, وأحب أن أنهي حديثي بالآيات الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

( لعنة الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذن الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً)

                                                                     ( النساء 118-119)

ويقول سبحانه وتعالى:

(إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له )

                                                                         ( الحج 73)

وقوله سبحانه وتعالى:

( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك)

                                                                       ( الانفطار 6-8)

أيها السيدات  والسادة شكراً لكم ........

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •