الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

 

من النسبية الخاصة

ناصر أسعد منذر 

يتضمن تاريخ التطور البشري محطات مميزة نستطيع الإشارة إلى بعضها كنقاط فارقة في مسيرة فهمنا واستيعابنا لعالم ما يزال يحمل لنا الكثير من أسرارٍ تدفع عقولنا نحو الأمام.. ربما كان اختراع الكتابة أول هذه المحطات.. تبعتها جهود جبارة من علماء ومفكرين آمنوا بقدرة العقل وحاولوا فهم ظواهر الطبيعة وتقديم تفسيرات منطقية ترضي عقولهم المتسائلة.. وإذا تذاكرنا اليوم بعض أسماء هؤلاء العلماء قد ننسى كثيرين ممن يستحقون الذكر والاحترام، لكن من المؤكد أن اسم آينشتاين لن يغيب عن بال أحدنا كاسم نيوتن وغاليليو وكبلر ومكسويل وغيرهم الكثير.. آينشتاين صاحبة نظريتين رائعتين: النسبية الخاصة والنسبية العامة.

تصوّرَ نيوتن أن الضوء مؤلف من جسيمات حيث تخيلها (في سبيل تفسيره لظاهرة الاستقطاب) كرات صغيرة تبدي مقدمة متطاولة! في حين قال كريستيان هايغينـز وتوماس يونغ وأوغسطين فرينل بالضوء على أنه أمواج، وبعدما عجزوا بدايةً عن تفسير استقطاب الضوء توصلوا إلى حل هذه المشكلة باعتبار أمواج الضوء أمواجاً عرضية، وكان لهم التفوق على النظرية الجسيمية آنذاك، إلا أنهم واجهوا عائقاً، فالأمواج تحتاج إلى وسط تنتشر عبره.. فاخترعوا واحداً أسموه Ether الأثير الناقل للضوء، ولتقدير أهمية النسبية الخاصة في تخليصنا من فكرة وجود هذا الأثير الذي كان مجهول الصفات والتكوين، لا بأس من أن نتحدث قليلاً عن هذا الوسط المعضلة بلسان حال علماء القرن التاسع عشر:

نعلم أن الأمواج في الوسط الغازي والأمواج ضمن الأوساط السائلة هي أمواج طولية، إذن فالأثير المقترح هو وسط جامد ومرن.. وبما أننا نرى نجوماً بعيدة جداً بواسطة التلسكوبات الكبيرة (كبيرة وفق مفهوم القرن التاسع عشر تعني مرآة قطرها 1 متر مثلاً) فالأثير يملأ كامل الفضاء الكوني.. وبما أننا نعلم بفضل أولاوس رومر وجيمس برادلي أن الضوء يسير بسرعة محدودة لكنها عظيمة تقرب من 3×108 متر/ثانية، فالأثير ذو صلابة هائلة في واحدة الكتلة.. ولكن نيوتن فصّل بقوانينه حركات الكواكب المرصودة بدقة، فلو كان للأثير هذه الصفات فلا بد أن يتراكم تأثيره في إبطاء حركة الكواكب حتى يصبح ملحوظاً، إنها مشكلة كبيرة حقاً، فهل نتخلى عن النظرية الموجية بعد نجاحها؟ كلا.. سنحاول تقديم حلول.. ماذا لو أن الأرض تجر معها الأثير المحيط بها؟ لكننا عندها لن نرصد Aberration of light زيغ الضوء الذي فسره برادلي اعتماداً على النسبة بين سرعة الأرض وسرعة الضوء! حسناً.. ماذا لو كان هذا الأثير يتدفق بحرية عبر المادة أي أنه لا يتأثر بالأجسام المتحركة عبره –باستثناء تموجات الضوء-؟ أي لماذا لا يكون الأثير هو التجسيد الفيزيائي لفضاء نيوتن المطلق والذي احتاجه ليؤكد نسبية السكون والحركة المنتظمة؟ إذا كان كذلك فنحن نستطيع تحديد سرعة الأرض المطلقة بقياس سرعتها بالنسبة للأثير...

وهكذا باشر علماء القرن التاسع عشر بمحاولات قياس سرعة الأرض المطلقة، فأجرى فرانسوا أراغو عام 1818 تجربة تعتمد على تغير قرينة انكسار الضوء، ولما كانت النتيجة سلبية خرج أوغسطين فرينل بتفسير عجيب.. فقال بوجود مقدار إضافي من الأثير محبوس في قلب الموشور الزجاجي! وأن كمية الأثير في وحدة الحجم تعتمد على قرينة الانكسار! لكننا نعلم أن قرينة الانكسار تعتمد على لون الضوء، وبالتالي حسب تفسير فرينل ستختلف كمية الأثير داخل الموشور باختلاف اللون المستخدم، وهذا غير منطقي..

تابع العلماء محاولاتهم لحساب سرعة الأرض بالنسبة لهذا للأثير، وكان أن أجرى مايكلسون و مورلي تجربة دقيقة في مدرسة العلوم التطبيقية في كليفلاند عام 1887 لكن النتيجة كانت سلبية، وفي سعي العلماء لتبرير هذه النتائج اقترح العالم الهولندي هنريك لورنتز عام 1892 فكرة تقلص الأطوال (وكان قد طرحها بشكل مستقل الإيرلندي فيتز جيرالد قبل ذلك، لكن لورنتز تابع هذه الفكرة وطورها).

إذا كان لدينا مرجعي مقارنة (XOY) ، (XَOَYَ) الأول ساكن والثاني يتقدمه متحركاً بسرعة (V) باتجاه المحور (OX) كان التحويل الغاليلي يقضي بما يلي:

Tَ = T   ,   Zَ = Z   ,   Yَ = Y   ,   Xَ = X - V×T

وعندما نطبق هذا التحويل على قوانين نيوتن تبقى هذه القوانين نفسها في المرجعين، لكن عندما نطبقها على قوانين الكهرطيسية ينتج لدينا في المعادلات: الحد الأولي (V/C) والحد الثانوي (V2/C2) حيث (C) سرعة الضوء، فأدخل لورنتز فكرة الزمن المحلي بحيث يصبح التحويل الغاليلي كما يلي:

Tَ = T - (V×X / C2)   ,   Zَ = Z   ,   Yَ = Y   ,   Xَ = X - V×T

ويدعى (T) بالزمن الحقيقي في حين تدعى (Tَ) بالزمن المحلي.

وبعد هذا التحويل يختفي الحد الأولي (V/C) من المعادلات ويبقى الحد الثانوي (V2/C2) ، وكان ذلك يفسر فشل تجربة مايكلسون ومورلي، ثم طور لورنتز معادلاته لتصبح بما ندعو اليوم تحويلات لورنتز وهي:

Tَ = β × (T - (V×X / C2))   ,   Zَ = Z   ,   Yَ = Y   ,   Xَ = β × (X - V×T)

حيث أن: β = 1/(1-V2/C2)1/2 ويدعى بمعامل تقلص جيرالد-لورنتز.

إلا أن لورنتز عندما طرحه تخيل أن الجسم الساكن بالنسبة للأثير سيرى الأطوال المتحركة تتقلص، أما الجسم المتحرك فسيرى أن الأجسام الساكنة تمطط أطوالها بالنسبة له! لكن آينشتاين حين استخدم معامل التقلص فيما بعد، فسّر أن كل من الراصدين المتحركين نسبياً لبعضهما سيرى مقاييس الآخر تتقلص، كما تحدث آينشتاين عن أمور لم يتطرق لها أحد قبله كتباطؤ الزمن ونسبية الكتلة وتكافؤها مع الطاقة وانتفاء الأثير و ..

يقول آينشتاين: "إن طريقة الانتفاع بالنسبية الخاصة تتعين بالطريقة التالية: لدى التعبير عن قوانين الطبيعة يجب أن لا نقبل سوى معادلات لا يتغير شكلها بعد تطبيق تحويل لورنتز على الإحداثيات الأربعة الواردة فيها، وهذه الخاصية في المعادلات تسمى التغير المتساير بالنسبة لتحويل لورنتز".

1905 موظف مغمور (مهندس من الدرجة الثالثة) في مكتب براءات اختراع بسويسرا ينشر أولى مقالاته العلمية في المجلة الألمانية Annalen der Physic حوليات الفيزياء، ويتحدث فيها عن المفعول الكهرضوئي حيث تعامل بجدية وجرأة مع فكرة استكمام الضوء والتي كان قد طرحها مطلع القرن الألماني ماكس بلانك كحيلة تزيل بعض العقبات، وبعد بضعة أسابيع أصدر مقالة ثانية تتحدث عن طريقة جديدة لقياس أبعاد الجزيئات، في حين عالجت المقالة الثالثة موضوع الحركة البراونية (كحركة ذرات غبار في السائل)، أما النظرية النسبية الخاصة فهي لم تكن سوى المقالة الرابعة لآينشتاين (حول الديناميات الكهربائية للأجسام المتحركة) والمؤلفة من ثلاث ورقات نشرها بعد مقالته الأولى بـ 13 أسبوع، وبدأها بمناقشة التحريض الكهرطيسي للتيار في حلقة سلكية حول مغناطيس، حيث أكد أن شدة التيار تعتمد على الحركة النسبية لكل من الحلقة والمغناطيس لا على حركتيهما المطلقة عبر الأثير، وقال إن تفسيرات نظرية مكسويل المختلفة للتيار الذي يتولد عندما يكون كل من المغنطيس والحلقة في حركة نسبية وكذلك التجارب التي أخفقت في اكتشاف حركة الأرض بالنسبة للأثير تفترض عدم وجود شيء كالسكون المطلق.

وضع آينشتاين مبدأين أساسيين هما ركيزة نظريته، أولهما يقول ما يلي: ستبقى قوانين الفيزياء نفسها ضمن مرجع مقارنة متحرك غير متسارع، أي بتعبير آخر: إن الأحداث التي تجري داخل مركبة متحركة غير متسارعة لن تتأثر بحركة هذه المركبة، وهذا المبدأ للوهلة الأولى يبدو بسيطاً جداً ولا يعدو كونه فكرة طرحها نيوتن سابقاً، إلا أن آينشتاين وضعه كمبدأ أساسي وأرفقه بمبدأ ثاني فيه الكثير من الحداثة والجرأة وهو: أن سرعة الضوء مستقلة عن حركة مصدره، أي أن سرعة الضوء ستأخذ القيمة نفسها بالنسبة لأي راصد سواء كان مقترباً أو مبتعداً عن الضوء بأية سرعة. وإن الأخذ بالمبدأين معاً سيؤدي إلى أفكار ثورية بخصوص حدية سرعة الضوء وتباطؤ الزمن وتقلص الأطوال والبناء الرباعي للفضاء و... أما أولى النتائج فهي إمكانية التخلي عن فكرة وجود الأثير.. وقد تجلت عبقرية آينشتاين في إثباته لمبدأيه عن طريق تجارب ذهنية بحتة إذ لم يمتلك وقتئذ المختبرات الحديثة التي تمكنه من اختبار أفكاره ونتائجها.

لنفترض مركبتين فضائيتين بداخل كل منهما راصد، إحدى المركبتين ساكنة والأخرى تتحرك غير متسارعة بسرعة (V) مقتربة من نجم نفترضه ثابتاً، ويقوم الراصدان بنفس التجربة، حيث يضيء الراصد داخل المركبة الساكنة مصباحاً في مقدمة مركبته، فسيرى عندها أن ضوء النجم وضوء المصباح يتجاوزانه بنفس السرعة (C)، ويقوم راصد المركبة المتحركة بنفس التجربة فنظن للوهلة الأولى أنه سيرى ضوء النجم وهو المقترب منه بسرعة (V) سيتجاوزه بسرعة (C+V) أما ضوء المصباح فسيبتعد عنه بسرعة (C-V)، لكن هذا الراصد يقوم بتجربة داخلية فوفقاً لمبدأ النسبية الأول سيحصل على نفس نتيجة الراصد الأول، لأن الراصد المتحرك إذا حسب متوسط الفرق بين سرعتي ضوء النجم وضوء مصباحه سيستنتج مقدار سرعة مركبته وهو داخلها (C+V-(C-V))/2=V ، وهذا غير مسموح (لنتذكر أننا لا نشعر أبداً بالحركة المنتظمة للطائرة أثناء وجودنا داخلها)، نؤكد هنا أن الحركة نسبية أي أن هذا الراصد سيرى نفسه ساكن والراصد الأول هو من يبتعد عنه بسرعة (V) نحو الخلف، إذن كلا الراصدين سيجدان للضوء سرعة واحدة ثابتة.

تتبدى بديهية آينشتاين في محطة أخرى بنظريته، فعند معالجته لزمن نيوتن المطلق احتاج إلى عدة ميقاتيات متعلقة بجملة إحداثيات، ويجب على هذه الميقاتيات أن تكون متزامنة مع بعضها، فبيّن آينشتاين طريقته لضبطها.. افترض لدينا ساعة مرجعية O تنطلق منها ومضة ضوء تمام الساعة 12 وتصل هذه الومضة إلى الساعة P (المراد ضبطها) عندما كانت هذه الأخيرة تشير إلى 12 وأربعة أجزاء من الثانية (بفرض ميقاتياتنا تقيس فواصل من هذه المرتبة) وعادت هذه الومضة إلى O عندما كانت O تشير إلى 12 وستة أجزاء من الثانية، لكن الضوء سيقطع المسافة جيئة وذهاباً بنفس الزمن، أي أنه يستغرق 3 أجزاء في كل مرحلة، فنعلم عندها أن P تتقدم على الساعة المرجع O بجزء واحد من الثانية، وهكذا نستطيع ضبطها.

لنعود الآن إلى راصدينا في مركبتيهما وقد تزود كل منهما بساعتين الأولى في مقدمة المركبة والأخرى في المؤخرة، كل راصد سيقوم بتجربة مزامنة ساعتيه داخل مركبته فسيجزم أنهما متزامنتين (طبعاً.. تجربة داخلية)، لكن ماذا لو راقب أحدهما عملية المزامنة لدى الآخر؟. فالراصد الأول يرى المركبة الثانية تتحرك نحو الأمام بسرعة (V) لذا يرى ومضة الضوء المنطلقة من مؤخرة المركبة تقطع في سيرها نحو ميقاتية المقدمة مسافة أكبر من المسافة التي تقطعها في طريق العودة، لذا لن تكون ميقاتيتي المركبة الثانية متزامنة بالنسبة لراصد المركبة الأول، ونفس الادعاء سيدعيه راصد المركبة الثانية، والذي يرى المركبة الأولى تبتعد عنه بسرعة (V) باتجاه معاكس، لذا هو سيرى ومضة الضوء المنطلقة من مؤخرة المركبة الأولى تقطع في طريقها نحو ميقاتية المقدمة مسافة أصغر من المسافة التي ستقطعها في طريق عودتها!! إذن لن يتفق الراصدان على لحظة اسمها الآن على نطاق كوني شامل كما في زمن نيوتن المطلق (سنـتبين هذه الفكرة أيضاً عندما نتحدث عن بنية الفضاء في النسبية)، فمثلاً عندما يتحرك الراصدان بالنسبة لبعضهما بسرعة أربعة أخماس سرعة الضوء (V/C = 4/5) عندئذ ستسير ساعة الراصد المتحرك بنسبة (1 - 42/52)1/2=3/5 من ساعة الراصد الساكن، أي في حين تسجل ميقاتية الراصد الساكن خمس ثواني (مثلاً) تسجل ميقاتية الراصد المتحرك ثلاث ثواني فقط! (نتذكر هنا أن كل راصد سيرى ساعة الآخر تتباطئ بالنسبة له لأن الحركة نسبية)، أي أن كل راصد سيجد أن زمن الآخر أقصر مما لديه بمقدار المعامل:

β = 1/(1-V2/C2)1/2

حتى أن الميقاتية أو بتعبير أدق تدفق الزمن سيتوقف تماماً عندما تبلغ المركبة في حركتها النسبية سرعة الضوء!! لكن نحن نعلم أن السرعة=المسافة/الزمن وناتج هذا الكسر واحد لدى الراصدين لأنهما متفقين على قيمة واحدة لسرعة الضوء، فبما أن كل راصد سيرى زمن الآخر قد قصر بمقدار المعامل النسبي لا بد أنه سيرى المسافة المقطوعة لدى الآخر قد قصرت بنفس المقدار الذي هو معامل جيرالد-لورنتز، أي أن التأثير متبادل وسيجد كل راصد أطوال الآخر تتقلص، فسيتقلص طول الجسم إلى النصف عندما يتحرك بسرعة 90% من سرعة الضوء، حتى أن طوله ينعدم عندما يبلغ سرعة الضوء! ولكن التقلص لن يحدث إلا باتجاه الحركة، ولا يحدث أي تقلص في منحى عمودي على منحى الحركة، في حين تحدث جيرالد ولورنتز قبل النسبية عن التقلص بأنه ينشأ عن الحركة عبر الأثير.

كان في إثبات آينشتاين أن سرعة الضوء حدية لا يمكن تجاوزها، أول رابط بين فرعين من الفيزياء اعتقدهما العلماء متمايزين وغير مترابطين، وهما ميكانيك نيوتن وكهرطيسية مكسويل، فأوضح آينشتاين أن سرعة الضوء هي السرعة الكونية القصوى، لكن حسب قانون نيوتن الثاني (F = M × A) إذا طبقنا قوة (F) على جسم له كتلة (M) واستمرت هذه القوة بالتأثير سيزداد تسارع الجسم (A) بشكل دائم ليتحرك بعد فترة بسرعة أكبر من سرعة الضوء! والخطأ هنا هو الاعتقاد بأن الكتلة مطلقة، فنحن نستطيع المحافظة على قانون نيوتن الثاني في النسبية عندما نقول بنسبية الكتلة، أي أنه بزيادة سرعة الجسم ستزداد كتلته لتصبح أكبر مع مرور الوقت، وبالتالي يقل تأثير القوة في تسريع الجسم، فبفرض أن الكتلة السكونية للجسم (M0) عندما يتحرك هذا الجسم بسرعة (V) فإن كتلته النسبية تعطى عندئذ بالعلاقة:

M = M0/(1-V2/C2)1/2

فمن أجل سرعة تساوي 10% من سرعة الضوء تزداد كتلة الجسم بمقدار 0.5% تقريباً من قيمتها وهو ساكن، في حين أن الكتلة تبلغ ضعفيها تقريباً حين تصبح السرعة 90% من سرعة الضوء (وبدقة أكبر حين تصبح 86.6%)، أما تسريع الجسم ليبلغ سرعة الضوء فهو أمر مستحيل، لأنه يظهر من المعادلة أن كتلة الجسم ستصبح عندها لانهاية في الكبر، أي أنها تتطلب تزويد الجسم بطاقة لانهائية، في حين أن كمية الطاقة في الكون محدودة.

ونجد هنا أن الطاقة التي نقلتها القوة إلى الجسم لم ينحصر تأثيرها في زيادة سرعة الجسم بل في زيادة طاقته أيضاً، أي أن الكتلة النسبية للجسم هي مقياس لطاقته، وعبر آينشتاين عن ذلك بمعادلته الشهيرة  (E = M × C2) ، فقد وجد آينشتاين انطلاقاً من معادلات الحقل الكهرطيسي أن الجسم عندما يصدر طاقة ضوئية مقدارها (F) يفقد كتلة مقدارها (E/C2) لكنه لم يجد فرقاً واضحاً بين أشكال الطاقة، فعمم ذلك بجرأة وثقة إلى قانون كوني شامل (E = M × C2) ، ولكن في العام 1905 لم يكن يعتقد سوى أن للطاقة كتلة، لكن آينشتاين ناقش عام 1907 أنه عندما تزداد كتلة جسم عبر تزويده بطاقة إشعاعية لن يكون هناك فرق بين الكتلة المضافة والكتلة القديمة، لكن الكتلة الجديدة هي طاقة بالأساس وهذا يقضي أن الكتلة هي بكاملها طاقة، وهذه الطاقة التي تحتويها الكتلة هي ما رأيناه في القوة الهائلة للقنابل النووية.

لنتذكر هنا أن تقلص الأطوال وتمدد الزمن وزيادة الكتلة وغيرها من النتائج الآينشتاينية المدهشة لا يمكن أن تلاحظ إلا مع سرعات قريبة من سرعة الضوء، أما مع السرعات الميكانيكية العادية والصغيرة جداً بالنسبة لسرعة الضوء فنحن نستطيع تطبيق قوانين الفيزياء التقليدية بكل ثقة، فطبعاً لن نقلق على سياراتنا من التقلص ولا طائراتنا ولا حتى صورايخنا ومركباتنا الفضائية الحالية.. والتي يتم التحكم بها بشكل كامل عبر قوانين نيوتن، وخير دليل على ذلك هو جواب نيل أرمسترونغ لابنه عندما سأله عمن كان يتولى قيادة مركبته الفضائية؟ فأجابه: "أعتقد أن نيوتن تولى جميع عمليات القيادة".

أما مجال السرعات الذي نستطيع تطبيق قوانين نيوتن ضمنه بنسبة خطأ مقبولة فيمكننا استنتاجه كما يلي:

في الميكانيك الكلاسيكي (وبعد آخذ علاقة آينشتاين الشهيرة بعين الاعتبار) إذا كانت طاقة جسم كتلته (M0) وسرعته (V) هي (E0) أي أن: (E0 = M0 × C2) ، فإن طاقة هذا الجسم في الميكانيك النسبي (E) تعطى بالعلاقة:

E = M × C2 = β × M0 × C2

وسيكون الخطأ المطلق عندها:

∆E = E – E0 = (β-1) × M0 × C2

أما الخطأ النسبي فسيكون:

∆E/E0 = (E – E0)/E0 = β - 1

ونحن نستطيع كتابة معامل لورنتز على الشكل التالي:

Β = (1 – V2/C2)-1/2

وبما أن: V2/C2 < 1 نستطيع استخدام قانون التقريب:

(1 + α)n = 1 + n × α

فيصبح الخطأ النسبي عندها:

∆E/E0 = β – 1 = V2/2C2

 

فإذا قبلنا أن تكون النتائج بدقة 1% أي أن يكون الارتياب النسبي ∆E/E0 = 1/100 عندها ستكون:

V = C/5√2 =42426 km/sec

أي نستطيع تطبيق قوانين نيوتن الكلاسيكية ضمن مجال السرعات (0 42000 كم/ثا)، أما مع خطأ 1/1000 فسيقلص هذا المجال حتى (13000 كم/ثا)، وللمقارنة نذكر أن مركبتي فويجر 1 و 2 (هما في طريقهما الآن إلى تخوم المجموعة الشمسية) يقطعان يومياً (2×106) كيلومتر، أي يبحران في الفضاء بسرعة تقل عن (24 كم/ثا)، طبعاً نتذكر أن سرعة الانفلات من جاذبية الأرض هي: (11.2 كم/ثا) فقط.

وإذا كان آينشتاين قد ابتعد عن مكان وزمان نيوتن المطلق فهو احتفظ بحقيقة مطلقة واحدة، إلا أنها أعلى من مستوى فيزياء نيوتن، فلدى نيوتن كانت المسافة بين حادثين والمدة الزمنية الفاصلة بينهما هي نفسها بالنسبية لجميع المراقبين (المتحركين بالنسبة لبعضهم البعض)، ويعبر عن المسافة بين الحادثين بالعلاقة:

R2 = X2 + Y2 +  Z2

وهي علاقة مكانية ليس للزمن فيها أي دور، أما عند آينشتاين فسيقيس المراقبون مسافات مختلفة وأزمنة مختلفة، إلا أن مزيجاً معيناًً من الزمان والمكان الفاصلين بين حدثين سيكون واحداً بالنسبة لجميع المراقبين، وهو ما يسمى بفاصلة مينكوفسكي التي نحصل عليها عبر تحويلات لورنتز:

S2 = R2 – C × T2

أي أن:

S2 = X2 + Y2 + Z2 – C × T2

وهذا يبين بأن الزمن ممتزج هندسياً بالفضاء ليكون بناءً رباعي الأبعاد.

يقول هيرمان مينكوفسكي: "إن المكان بذاته والزمان بذاته سيتلاشيان كالدخان، أما ما سيبقى فمزيج منهما".

وحيث أنه لا يمكن تصور أربعة أبعاد بشكل كامل فمن الشائع إسقاط أحد الأبعاد المكانية والاكتفاء بمحورين للمسافة (X)، (Y) ومحور الزمن (T)، وغالباً ما يستبدل محور الزمن (T) بـ (CT) وهي المسافة التي يقطعها الضوء خلال زمن قدره (T)، وذلك كي تعبر كلا الإحداثيتين عن مسافات.

          فإذا أهملنا حجم الأجسام ستبدو إحداثيات الجسم الساكن متغيرة على المحور (CT) فقط، لأن الزمن لا يقف ساكناً، ويدعى مسار الجسم في الفضاء الرباعي (الزمكان) بالخط الكوني أو الخط العالمي لهذا الجسم، لذا يمثل المحور (CT) الخط الكوني بالنسبة للجسم الساكن، أما الجسم المتحرك بسرعة ثابتة على المحور (OX) فسيبدو خطه العالمي خطاً مستقيماً، ويمكن هنا أن نعبر عن قانون نيوتن الأول القائل بالحركة المنتظمة للجسم الحر بالشكل التالي: إن خطوط العالم للأجسام الحرة تكون مستقيمة، وليس بالضرورة لخطوط العالم أن تعبر الحدث (O) وقد لا ترتبط عموماً بالنقطة التي يكون فيه (Y = 0) و (Z = 0).

أما الشعاع الضوئي المنطلق من النقطة (O) حيث (X = 0) و (T=0) بالاتجاه الموجب للمحور (OX) فسيقطع خلال الزمن (T)  مسافة قدرها (X = CT) ليشكل زاوية قدرها (45 درجة) ويتساوى عندها الإحداثيان على المحورين، وإذا كانت (X = CT) وظل (Y = 0) و (Z = 0) نجد عندها أن فاصلة مينكوفسكي (S = 0)، أي ستكون الفاصلة بين الحدث (O) وأي حدث آخر على الخط العالمي للضوء مساوية للصفر!!

أما الجسم المادي فلا يمكن أن يسير بسرعة الضوء، وكلما ازدادت سرعة الجسم تزداد الزاوية التي يصنعها خطه العالمي مع المحور (CT) لكن تتوضع جميع الخطوط العالمية للأجسام المادية داخل مخروط الضوء، لذا تدعى المنطقة الواقعة على القسم العلوي وداخل المخروط بالمستقبل المطلق للحدث (O) وهي مثل الحدث P: مجموعة كل الحوادث التي يمكن أن تتأثر بالحدث(O)، أما المنطقة الواقعة داخل وعلى القسم السفلي من المخروط فتدعى بالماضي المطلق للحدث(O) وهي: مجموعة الحوادث التي يمكن أن تؤثر بالحدث(O)، أما المنطقة خارج المخروطين فجميع الحوادث فيها لا يمكن أن تؤثر ولا أن تتأثر  بالحدث(O) مثل الحدث Q ، لأنها تحتاج في سبيل ذلك سرعة أكبر من سرعة الضوء وهذا غير ممكن، وهنا يتبين لنا الاختلاف على لحظة الآن أو (الحاضر) بين مفهوم نيوتن ومفهوم آينشتاين.. فعند نيوتن بين مجموعتي حوادث الماضي والمستقبل يوجد فاصل زمني لانهائي في الصغر هو الحاضر، أما في النسبية فبين ما أسميناه ماضياً وما أسميناه مستقبلاً يوجد فاصل زمني منتهي (أي غير لا نهائي في الصغر) تتوقف مدته على المسافة المكانية التي تفصل الحادث عن الراصد.

نهاية نتعرض لمفارقة التوءمين الشهيرة: حيث يبقى أحد التوءمين في موطنه بينما يغادر الآخر الأرض بسرعة كبيرة لمدة سنة (مثلاً)، ثم يعكس مساره عائداً، وعند وصوله سيجد أن أخاه قد كبر خمسين سنة مثلاً في حين أنه كبر سنتين فقط!! يبرز اعتراض على هذه النتيجة بناءً على فكرة الحركة النسبية: ففي حين يرى التوءم الأرضي أخاه متحركاً بسرعة كبيرة وأزمنته تتمدد، سيرى التوءم المسافر نفسه ساكناً وأن الأرض تبتعد بسرعة كبيرة وأزمنتها تتمدد وأطوالها تتقلص، لذا ومن وجهة النظر هذه يجب أن يكبر التوءمان بنفس المعدل!!

لكن في الحقيقة لا يمكننا معاملة التوأمين بشكل متعادل، والسبب في ذلك أنه كي نشهد فارقاً بالزمن حوالي 48 سنة كما ذكرنا، يجب على التوأم المتحرك أن يمضي بسرعة لا تقل عن 99.919% من سرعة الضوء، وبالتالي عندما يضطر بعد سنة من ارتحاله إلى عكس مساره والعودة إلى الوطن، ستكون هذه العملية فجائية لدرجة أنه سيتعرض عندها لقوة تفوق بمليون مرة قوة التثاقل الأرضية وسينسحق حتماً!! في حين أن التوأم الأرضي لن يتعرض لهذه القوة المهلكة، (لننتبه هنا أننا عبر الحديث عن حركة التوأم المسافر والتي يجب أن تتسارع حتى القيمة السابقة نكون قد تجاوزنا النسبية الخاصة ودخلنا في النسبية العامة).

أما حل هذه المفارقة (في النسبية الخاصة) فيكون برسم خطوط العالم الخاصة بالتوأمين اللذين يمكن اعتبارهما انطلقا من نقطة واحدة A بطريقين مختلفين، ثم التقيا في نفس النقطة C فيكون الخط العالمي للتوأم الأرضي هو AC أما الخط العالمي للتوءم المسافر فهو ABC ، وبالرغم من أننا نرى في الشكل المجاور أن  ABCأطول من AC إلا أن طول ABC في الزمكان يكون بالحقيقة أقصر من طول AC ، أي أن التوأم المسافر سيعود أصغر من شقيقه!!

لقد ثبتت هذه النبوءة باختبار تجريبي في سبعينات القرن العشرين، حيث استخدمت ساعتان ذريتان مضبوطتان بدقة إحداهما على الأرض والأخرى وضعت في طائرة سريعة تتحرك برحلة حول العالم، فسجلت الساعة المرتحلة عند اجتماعها مع الأخرى تأخراً زمنياً بتوافق تام مع نبوءات النسبية.

في العام 1905 قام آينشتاين بتطوير معادلات نسبوية تنبأت بالكيفية التي يجب أن تتحرك الإلكترونات بموجبها في حقل كهرطيسي، وفي حين كانت تجارب الجسيمات عالية السرعة نادرة الوجود آنذاك، فهي قدمت فيما بعد نتائج حاسمة لصالح نسبية آينشتاين والتي اجتازت الاختبارات بألمعية مدهشة، وعلى الصعيد النظري أيضاً كانت النسبية حاضرة حيث ألهمت العديد من الفيزيائيين النظريين، كما حدث مع بول ديراك والذي استنبط (بين عامي 1929-1931) معادلات كمومية نسبية للإلكترون تنبأت بوجود البوزترونات والتي اكتشفها كارل أندرسون عام 1933، لكن أهم إنجازات النسبية الخاصة أنها كانت المقدمة والركيزة الأساسية التي بنى عليها آينشتاين نسبيته العامة التي استغرقه بناءها حوالي عشر سنوات، وعبّر آينشتاين عن هذه المرحلة بقوله لأحد أصدقائه في العام 1912 عندما كانت النسبية العامة في طور البناء: "لم أجتهد سابقاً في كل حياتي بهذه الصورة.. ومقارنة بهذه المشكلة تبدو النظرية النسبية الخاصة كلعبة أطفال".

كانت نقطة انطلاق آينشتاين في النسبية العامة رؤيته لأن تكون الحركة المنتظمة هي النسبية فقط من بين جميع أشكال الحركات الأخرى لشيء مغرق في البشاعة!! فإما أن تكون جميع أشكال الحركة نسبية أو أن تكون جيمعها مطلقة.. لذلك قال: "لابد لقوانين الفيزياء من أن تمتاز بطبيعة معينة وهي أن تكون صحيحة في الأنظمة المرجعية مهما كانت أشكالها الحركية".

في نهاية عام 1915 اكتمل عقد النظرية النسبية العامة، فقدمها آينشتاين في نهاية شهر تشرين الثاني ضمن أحد لقاءات الأكاديمية البروسية للعلوم، وتختلف النظرية العامة عن النسبية الخاصة بشكل أساسي بأن الزمكان منبسط ولا وجود للتثاقل في النسبية الخاصة، في حين نجد التثاقل حاضر بقوة في النسبية العامة ويكون الزمكان منحنياً، وتنشأ الحركات الثقالية للأجسام نتيجة مسايرتها للانحناءات الزمكانية للفضاء الذي تتحرك عبره..

لقد قدمت لنا النسبية العامة إمكانيات لم يكن يتصور عقل بشري قبلها أن الإنسان سيتناولها، فعبر النسبية العامة وميكانيك الكم استطاع الإنسان الوصول إلى اللحظات الأولى من عمر الكون.. وغدت هذه النظرية فيما بعد حجر الزاوية في بناء أي نظرية جديدة، فلقبول أية نظرية لا بد من أن تكون صامدة نسبوياً، فعلى طريق بناء نظرية التثاقل الكمية مثلاً وبالرغم من أن العلماء لم يتوصلوا لنتيجة نهائية حتى الآن، إلا أنهم يعلمون أبرز سمات هذه النظرية والتي تتعلق بحقيقة تأثير الثقالة في البنية النسبية للزمكان.

هكذا نرى أن أفكار آينشتاين لم يماثلها ثوريةً في تاريخ الفكر البشري اللهم سوى أفكار نيوتن في القرن السابع عشر، وقد اعترف آينشتاين لنيوتن بالفضل الأسبق، حتى أنه وأثناء عرضه لنظريته بديلاً عن نظرية نيوتن والتي سادت أكثر من مئتي سنة أبدى اعتذاره منه، فنيوتن كما ذكر آينشتاين قد أوجد للكون أبعد صورة ممكن تخيلها من قبل عقل بشري في ذلك الزمان!

نختم حديثنا بكلمة لآينشتاين تعبر عن يقينه بقدرة العقل البشري فهو يقول: "أليس الطريق الصحيح موجود فقط كوهم في مخيلتنا؟ وهل نستطيع أن نثق بصدق التجربة بينما نحن نعلم أن بعض النظريات كالميكانيك التقليدي تفسر التجربة دون أن تجادل في أعماق المسألة؟ على هذا الاعتراض أرى وأجيب بكل ثقة: إن الطريق الصحيح موجود، وإن باستطاعتنا اكتشافه".

******************

 

تمت الاستفادة في هذه المقالة بشكل أساسي من كتاب "Relativity And Its Roots" "النسبية وجذورها" لـ بانيش هوفمان، ترجمة: مروان عريف - دار طلاس - 2000

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •